الحلبي
400
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
الغداة رجعت لمثل ذلك ، فصنع بي مثل ما صنع ، وأدركني العباس ، وكان منه كالأمس ، فخرجت وأتيت أنيسا فقال ما صنعت ؟ فقلت : قد أسلمت وصدقت ، فقال : ما لي رغبة عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت فأتينا أمنا ، فقالت : ما لي رغبة عن دينكما ، فإني أسلمت وصدقت ثم أتينا قومنا غفارا فأسلم نصفهم ، وقال نصفهم : إذا قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة أسلمنا ، فلما جاء المدينة أسلم نصفهم الثاني » أي لأنه صلى اللّه عليه وسلم قال لأبي ذر : « إني وجهت إلى الأرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب ، فهل أنت مبلغ قومك عسى اللّه أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم ، وجاءت أسلم : القبيلة المعروفة فقالوا يا رسول اللّه نسلم على الذي أسلم عليه إخواننا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : غفار غفر اللّه لها ، وأسلم سالمها اللّه » . أي وقد ذكر أن أبا ذر وقف يوما عند الكعبة : أي في حجة حجها أو عمرة اعتمرها فاكتنفه الناس فقال لهم : لو أن أحدكم أراد سفرا أليس يعد زادا ؟ فقالوا بلى ، فقال سفر القيامة أبعد مما تريدون ، فخذوا ما يصلحكم ، قالوا : وما يصلحنا ؟ قال : حجوا حجة لعظائم الأمور ، وصوموا يوما شديدا حره ليوم النشور ، وصلوا في ظلمة الليل لوحشة القبور . وممن أسلم خالد بن سعيد بن العاص رضي اللّه تعالى عنه . قيل كان حين أسلم رابعا وقيل ثالثا وقيل خامسا . وهو أول من أسلم من إخوته . ويمكن أن يكون ذلك محمل قول ابنته أم خالد : أول من أسلم أبي : أي من إخوته . وسبب إسلامه أنه رأى في النوم النار ورأى من فظاعتها وأهوالها أمرا مهولا ، ورأى أنه على شفيرها ، وأن أباه يريد أن يلقيه فيها ، ورأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم آخذا بحجزته يمنعه من الوقوع فيها ، فقام من نومه فزعا وقال : أحلف باللّه أن هذه الرؤيا حق وعلم أن نجاته من النار تكون على يد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأتى أبا بكر فذكر له ذلك ، فقال له : أريد بك خير ، هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاتبعه ، فأتاه فقال يا محمد إلا م تدعو ؟ قال : أدعو إلى اللّه وحده ، لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع ، فأسلم خالد . وفي الوفاء عن أم خالد بنت خالد بن سعيد أنها قالت : كان خالد بن سعيد ذات ليلة نائما ، قبيل مبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : رأيت كأنه غشيت مكة ظلمة حتى لا يبصر امرؤ كفه ، فبينما هو كذلك إذ خرج نور أي من زمزم ، ثم علا في السماء فأضاء في البيت ، ثم أصاب مكة كلها ، ثم تحول إلى يثرب فأصابها حتى أني لأنظر إلى البسر في النخل ، فاستيقظت فقصصتها على أخي عمرو بن سعيد وكان جزل الرأي ، فقال : يا أخي إن هذا الأمر يكون في بني عبد المطلب ألا ترى أنه خرج من حفر أبيهم ثم إنه ذكر ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أي بعد مبعثه ، فقال : يا خالد أنا واللّه